رمضان شهر الحنين و الذكريات
24/1/2009
رمضان على الابواب ...... تلك هى الاجابة المحيرة التى كنت احصل عليها كلما سألت عن الاستعدادات غير الطبيعية التى تجرى فى منزلنا الصغير فى المحلة الكبرى بوسط دلتا النيل الطيب فى تلك الايام البعيدة
شىء ما يحدث لا افهمة بدقة .. حركة دائبة بالبيت ، زينات تعلق قى الشوارع ، اصناف مختلفة من الاطعمة تغزو المحلات المجاورة
وكلما سألت عن شىء كانت الاجابة دائما ان رمضان على الابواب !!!
فمن هو هذا الرمضان ؟ !!
طفل فى الثامنة او التاسعة من العمر، فى عيونى الصغيرة فى ذلك الزمن البعيد الحياة لا تتجاوز منزلنا الصغير ..
أم بين أحضانها يبدأ العالم وينتهى ، يضمك ذلك الحضن فتشعر بانك تشبع حنانا ودفئا كما تشبع معدتك من الزاد...وأب هادىء قليل الكلام شديد الطيبة ، لا يقول لك ابدا إنه يحبك غير أنه يستطيع أن ينقل لك هذا ببساطة و كأنه يزرع اشارات خفية بمجالك المغناطيسى تجعلك تحس انه يقولها لك الف مرة فى اليوم... واخت تكبرنى بثلاث اعوام .. تعرفنا معا على الحياة.. أدهشتنا سويا ..وأضحكتنا سويا.. و اتعبتنا سويا .. واخرى تصغرنى بست سنوات كاملة.. و لاننى شاهدتها ترضع وتحبو وتتعلم الكلام .. كان فارق السن بيننا يبدو فى نظرى وكأنه عشرات الاعوام .. فأنا الكبير الناضج و هى الطفلة التى لازالت تتعثر فى الكلام والمشى
..
نعود الى بداية تعرفى على ذلك المجهول الذى على الابواب .. الذى ينتظره البيت بكل هذه الحفاوة والشوق وكأنه عزيز من العائلة ينتظره الجميع بلهفة بعد غياب طويل .. اضواء وفوانيس وشموع وزينات و لا يخلوا حديث اثنين فى المدينة التقيا من ذكرة والتهنئة بقدومه
وقبل ان أفهم ... بدأت ايامه .. وتغيرت عادات البيت فى الطعام والشراب و النوم ... وعندما سألت جائت الاجابات لترسم لى عالما سحريا لا يسعه خيالى ولكنه يبدو عند أطراف اصابعى الصغيرة
فالصيام هو التحدى الكبير والاختبار الاعظم فى العمر فهو كما استوحيت من اجابات ابى وامى الحد الفاصل بين الرجولة و الطفولة .. فالصيام للكبار و ليس للاطفال .. فاذا صمت فقد حصلت على صك الرجولة ، الشهادة التى لا يستطيع احدا ان يضحدها بانك دخلت عالم الكبار .. واذا صمت .. فانت انسان خيَر لأنك ستشارك الفقراء آلامهم .. واذا صمت سيحبك الله ( الله ... سيحبك الله ؟ ... ) .. هل سيحبنى الله حقا ؟؟ ... الله على هذا الشعور .. واذا أحبك الله .. سيدخلك الجنة .. ( الجنة ؟ ؟ الله!) وهناك كل شىء جميل وسعيد .. وسنظل هناك كلنا معا .. لا يفرقنا شىء .... الى مالا نهاية .. جميعنا .. ابى وامى وانا واختىّ ، بل واخوتى الذين تزوجو ورحلو عن البيت .. لا يوجد فراق فى الجنة ولا يوجد ألم أو مرض .. فقط سعادة الى مالانهاية ... الله ... الله ... الله ..
كل هذا السحر ؟ فقط لو صمت ؟!!
وقررت ان اصوم..
وبين سعادة امى وترددها ونظراتها من طرف خفى لابى تسأله المشورة وايمائة ابى الباسمة الموافقة قيل لى اذن جرب ... فلتفطر عند آذان الظهر وان استطعت فعند العصر وشيئا فشيئا ستتمكن من الصيام.. وافقت على مضض وقد اضمرت الصيام حتى النهاية......
لم أكن اعرف ان امى قررت ان تمارس مؤامرة صغيرة علىّ فى ذلك اليوم ، فبعد ان غلبنى النوم فى مساء ذلك اليوم .. استيقظت لاجد انها لم توقظنى لتناول السحور ، وتركتنى نائما حتى ملأت الشمس البيت والدنيا بأسرها ، وعندما قررت غاضبا أن اواصل الصيام اقنعتنى انه حرام ان يصوم المرء دون ان يتسحر ، وافطرت صاغرا ...وطبعا كانت اقنعتنى انها حاولت ايقاظى بلا جدوى..
و بعدما تكرر الامر بنفس التفاصيل لعدة ايام ، وبعد ان ادركت مؤامرتها الصغيرة ....... صحوت فى ذلك اليوم مصمما على مواصلة الصيام ، وبلا سحور
و هكذا بدأت اولى محاولاتى للصيام فى احد ايام شهر اغسطس البعيدة بلا سحور وفى نهار لا يقل حرارة عن صوانى امى العامرة فى فرن الموقد

كان
أن صمدت حتى آذان الظهر. ثم بدأ العطش والجوع يصبحان اقسى مما كنت اظن ،
وبدأت نظرات امى القلقة المشفقة تلاحقنى وهى تحاول ابرام اتفاقية معى ..
فحواها أن افطر اليوم وتتعهد هى ايقاظى للسحور لاصوم غدا .. غير اننى كنت
طفل عنيدا جدا .. وبدأ الوقت يمضى بطيئا وكأنه لن يمر أبدا .. ألهو مع
اختى قليلا .. اسهو قليلا امام التلفاز مع فيلم لفؤاد المهندس وشويكار ..
او مع عدد من اعداد مجلة ميكى .. احاول النوم فلا استطيع من شدة قسوة
الجوع على معدتى الصغيرة .. أهرب من نظرات أمى و ملاحقتها لى فى كل مكان الى أن اذن العصر ....
بعيدٌ هو المغرب فى نهارات اغسطس الحارة .. بعيدة هى الجنة و الرجولة وحب الله .. وقد بدأ العطش ينسينى وجع الجوع بمعدتى ..
نحن
الآن بعد آذان العصر بقليل وقد بدأت اشعر ان لسانى قطعة من الصخر الساخن
الجاف ترقد على رمال الصحراء .. تلتهب وتتحمص رويدا رويدا تحت شمس قاسية
الطلعة .. وبدأت محاولات أمى تتحول الى نوع من الضغط العنيف .. ومع اصرارى
.. صدرت نظرة حاسمة من أبى فتوقف الضغط من أمى .. وبدأت تنشغل فى مطبخها
مع اقتراب المغرب .. وبدأت أنا من شدة الجوع والعطش أفقد الكثير من
التركيز ، ويصيبنى خدر خفيف ..
بدأت بناء على نصيحة من أبى أدفع رأسى
تحت ماء الصنبور البارد .. أرقب جريان الماء ، واتركه ينساب على رأسى
الصغير .. أحس وكأن مسام جلدى ستمتص ذلك الماء من شدة تحرقى اليه .. أشعر
به ينساب على شفتىّ
المغلقتين بشدة وكأننى أخشى أن تضعفا فتنفتحان مستسلمتان لندائه أو أن تفر قطرة الى فمى فتضيع صيامى
...
اقترب
المغرب الآن كثيرا .. وبدأت حرارة الجو تخف شيئا فشيئا.. غير أن لهيب
العطش والجوع لا ينطفئ ابدا .. بدأ الخدر الآن يتملكنى .. و يؤثر على
كلماتى وحركتى .. وبدأت الاصوات فى الشارع تهدأ وتخف .. وبينما انا فى هذه
الحالة من الخدر..اذا فجأة .. تخفت كل الاصوات ، ويعلو صوت من المذياع..
أشعر به يمر من كل مسامى .. ويتخللنى .. كما يتخلل الماء الصخور المتراكمة
.. كان ذلك هو صوت الشيخ محمد رفعت .. ذلك الصوت الذى تشعر به قادما من
بعيد .. واثقا وهادئا وطيبا .. لا هو ذلك الصوت الجواب الحاد المنذر، ولا
هو ذلك الصوت القرار الخشن القاسى .. انما هو ذلك الصوت العميق المستقر
الى أبعد الحدود .. فيه قدسية غريبة على الفهم .. ليست غريبة على الاحساس
..
جذبنى الصوت الى المذياع كما يسحب الهواء رائحة طعام امى الى أنوف
الجميع لأجد أبى مستلقيا بهدوء على الكرسى الملاصق للمذياع .. كنت قد وقعت
فعلا فى غرام ذلك الصوت .. غير ان اجابة ابى جعلتنى أهيم به غراما .. اذ
فهمت أن هذا القرءان هو اشارة اقتراب آذان المغرب .. وأنه بمجرد أن ينتهى
سوف ينطلق مدفع الافطار ..
اذن فقد اقترب مدفع الافطار من الانطلاق ..
كان هذا كافيا لأرانى فى ملابس الفرسان على باب الجنة .. ينتظر الملائكة
خطواتى الاخيرة ليستقبلونى بالورود والاهازيج ساعدنى على ذلك تلك النسائم
الباردة التى بدأت تهب على وجهى من مغارب الشمس عندما خرجت وأختى الى
الشرفة
كانت الشوارع اكثر هدوءا وكثيرا من المحال بدأت فى الاغلاق ..
وصوت الشيخ محمد رفعت ينطلق من كل البيوت والمحلات .. بدى للشارع شكل
ورائحة غير ما اعتدت .. حتى احجار البازلت السوداء التى تكسو بدنه بدت
مختلفة .. وكأن جنية ما لمست المدينة بعصاها المسحورة ..
واخيرا ....... انطلق مدفع الافطار .. مدفع انتصارى .. هييييييييه
وتسابقنا
.. انا واختى الى الصالة .. كانت والدتى قد انتهت من اعداد كل شىء.. اصناف
الطعام على المائدة الكبيرة التى تحتل ركن الصالة .. لا اذكر تلك الاصناف
غير أننى أذكر جيدا انه كان اشهى ما اكلت فى حياتى ..
اندفعت الى الماء
البارد .. بينما امى وابى يحاولان تهدئتى .. يحاولان أن ابدأ بكوب التمر
باللبن أو بأى طعام .. يصرخون ورغم ذلك المح فرحة عيونهم .. لا تملأ بطنك
بالماء .. لن تستطيع أن تأكل .. غير أنى لا املك نفسى .. الماء البارد
الذى راح يعانق حلقى لن يستطيع جنى أو عفريت ان يمنع تدفقه الى فمى .. أن
يوقف تغلغله فى نسيج لسانى وكأنه الحياة نفسها تعود الى الجسد الذى أوشك
على الموت والجفاف
كان هذا انتصارى الاول الكبير .. رحت التهم الطعام
مخيبا ظن والدى باننى لن اتمكن من الاكل بعد كمية الماء الرهيبة التى
تجرعتها .. كان اشهى طعام اكلته فى حياتى بالطبع .. على خلفية مسلسل اذاعى
مرح . . وبالطبع كانت حالة الرضى والاستمتاع تطغى على كل شىء وتجعلنى ارى
كل شىء جميلا ورائعا .. بعد ان انتقلت اطعمة امى الرائعة من على المائدة
لتستقر آمنة مطمئنة فى معدتى ..
وتمر سنوات طويلة بعد ذلك .. ضاع
منى فيها ذلك الطفل .. واكتسبت عادة تلازمنى الى الان .. فمع كل رمضان ..
واينما كنت فى مدن الله ، انزل الى شوارع المدينة بعد العصر ، اقطع ما
استطعت من المدينة سيرا ، نصف خدرا , ابحث عن ملامحها القديمة ، احاول
اكتشاف روحها ، دائما تشدنى غريزتى الى شوارع البازلت الاسود ، والبيوت
العتيقة ، ابحث فى ملامحها ، وفى وجوه البشر ، عن شىء غير محدد ، وضبابي
الى حد كبير ربما كان طفلا ضاع منذ زمن بعيد
ٍٍٍ
Tags : 16
Catégorie :
Non spécifié